
صناعة الفخار بين هواية ووسيلة للعلاج النفسي


يدخل الخزاف حميد القحطاني كعادته إلى الأستوديو الخاص به ليقضي مساءه في ممارسة هوايته صناعة الخزف، لكن هذا اليوم يختلف عن سائر الأيام التي يكون فيها حميد لوحده في الأستوديو، إذ رافقته هذه المرة ابنته جود. تتفاجأ جود بوجود شخص تراه لأول مرة لكن عينيها تعكسان فرحة شديدة عند رؤية كاميرا التصوير، تضع جود حقيبتها المدرسية على الكرسي ويساعدها والدها على لبس مئزره لكي لا تتلطخ ملابسها بالطين، ثم تهم بالجلوس على كرسي الطاولة الكبيرة التي تقع بجانب عجلات الفخار.

بينما يقوم حميد بتفقد القطع التي تركها تجف ويبللها مرة أخرى، تقوم جود لمساعدته على نقل هذه القطع من وعاء إلى آخر، ولا تنفك عن سؤاله عن مختلف المراحل والخطوات التي يقوم بها ليجيبها عن كل سؤال مبتسما.
قبل أن يبدأ حميد بالاستعداد لنحت القطع في عجلة الفخار، يعطي لابنته التي تريد الاشتغال بالطين أيضا قطعة منه لتضعها على الطاولة وتبدأ بتشكيلها إلى مختلف الأشكال الهندسية. يضع حميد مختلف قطع الفخار بجانبه ويبدأ بنحت حواف وقاعدة الأكواب بتأن وتركيز بواسطة أدوات ذات مقبض خشبي وحواف حديدية. خلال عملية النحت، تتردد جود على والدها بين الفينة والأخرى لتريه الأشكال التي صنعت ليوقف هو الآخر العجلة الدوارة للانتباه إلى ما تقول ولتشجيعها أيضا.
لا تشبه جود والدها في المظهر فقط وإنما في الروح المرحة أيضا، فمثل والدها الذي يبتسم ويضحك معظم الوقت، تملأ الابتسامة شفتي جود عند تشكيلها لقطع الطين، وتغمر الفرحة والحماس عينيها كلما ركزت شاشة الكاميرا عليها. علاقة حميد بابنته جد عفوية ويسودها الكثير من الحب، فحميد يذكر ابنته بمدى حبه لها في كل مرة يتحدثان فيها.
بداية اهتمام وتعلم القحطاني لصناعة الفخار
لعبت المرحلة الجامعية دورا كبيرا في توجه القحطاني إلى صناعة الفخار، إذ يقول "بعدما أتممت الجامعة في بريطانيا وبدأت أشتغل في قطر، شعرت بفراغ كبير، بحيث لم أستطع التأقلم مع البيئة القطرية، ففي بريطانيا كنت متأقلما من ناحية الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية، وكنت ضمن مجموعة تضم جميع الطلبة الدوليين وكانت هذه المجموعة بمثابة أسرة تحتضنني."
عدم تأقلم القحطاني مع بيئته الجديدة، سبب له ظروفا نفسية وصل فيها لمرحلة أصبح فيها يشكل الطين ليساعده على التخلص من القلق والتوتر خاصة مع ضغط العمل، بحيث كان يضع معجون الصلصال الخاص بالأطفال في مكتبه ويلعب به. حينها "خطرت في بالي فكرة سخيفة جدا، بما أن الموضوع أعجبني ولأول مرة في حياتي، لماذا لا آخذ هواية وأشتغل عليها بشكل جدي؟" وفعلا، قرر القحطاني أن يجرب الفخار والطين، وأثرت عليه في هذه المرحلة مقاطع تشكيل الفخار على الدولاب التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي وكان يشاهدها بكثرة.


واجه حميد في البداية صعوبة لتعلم صناعة الفخار، إذ لم يوجد في قطر آنذاك مكان يوفر ذلك، فما كان عليه سوى التوجه نحو مركز سوق واقف للفنون. إذ يقول "ذهبت إلى هناك وتعرفت على الأستاذ طلال القاسمي، وهو خزاف قطري له خبرة 24 سنة، لكن للأسف ليس لديه دولاب الفخار، فالمركز يوفر التشكيل باليد فقط." لم يستسلم القحطاني بعد هذا، بل اختبر نفسه وظل يبحث ويشاهد لمدة ستة أشهر كل مقاطع الفيديو على يوتيوب والإنترنت المتعلقة بالطين والفخار، التشكيل على الدولاب، التلوين، التزجيج، أفران الفخار، والفرق بين الغاز والكهرباء والحطب و غيرها.
في شهر أغسطس من سنة 2018، اكتشف حميد مشروع "لقاءات طين" الذي انطلق حديثا، ونظرا لأنه كان المكان الوحيد الذي يوفر إمكانية تعلم صناعة الفخار، لم يستطع حميد إيجاد أماكن شاغرة في الدورات المنظمة من طرفهم إلا بعد سبعة أشهر، وبالضبط في شهر مارس 2019. ويشير القحطاني إلى أن "الدورة كانت أساسية من أجل التأسيس في صناعة الفخار، لكنني دخلت فقط من أجل أن يكون لدي مكان أتعلم فيه. فأخذت الدورة ثم أخذت ساعات في الاستوديو المفتوح لديهم، وفي هذه الفترة استوعبت أنني ولأول مرة في حياتي يوجد شيء أريد أن أتعلمه بشدة. ولمدة شهر كامل، كنت أذهب لمدة ساعتين أو ثلاث ساعات في كل الأيام المفتوحة للمشتركين."


من سنة 2018 إلى حدود أخذه للدورة سنة 2019، كان حميد يتعلم من أستاذه طلال القاسمي، وجاءته الفرصة في إحدى المرات للذهاب معه في دعوة خاصة من أحد الخزافين إلى الدنمارك، ونظرا لأنه لم تكن في تلك الفترة سوى دورات لقاءات طين في قطر، تحمس القحطاني للذهاب والتعرف على الأجواء هناك.

ويضيف القحطاني "تحمست عندما أخبرني الأستاذ أن للخزاف الدنماركي فرنا بالحطب على الطريقة التقليدية. وعندما ذهبنا هناك صدمت، بحيث كان هناك أشخاص بدؤوا حديثا مثلي في سن الثلاثينات والأربعينات. وليس ذلك فقط، بل تواجدت في الورشة ثلاث نساء كبيرات في السن وكان شغلهم تحفة. وعند الحديث معهن لم يتكلمن معي بأسلوب ينم عن عدم الاهتمام، وإنما كن مهتمات وبدأن يسألنني عن بدايتي في صناعة الفخار، وهنا جاءني الإحساس الذي كنت أبحث عنه وهو الأسرة التي فقدتها."
في تلك الزيارة، كان حميد لا يستطيع صنع الأسطوانة التي هي أساس كل الفخار لأنه اشتغل على الدولاب لمدة ثلاثة أشهر فقط، لكنه يقول إنهم "كانوا متقبلين لدرجة أخذت فيها راحتي وأحسست بنفسي مرتاحا أكثر من بيت أبي."
تساهم صناعة الفخار بشكل كبير في تخلص حميد من القلق والتوتر والطاقة السلبية، ويشعر بالسعادة لتمكنه في الآونة الأخيرة من تجاهل الصوت السلبي الذي بداخله ومضيه قدما في أن يصبح نسخة أفضل مما كان عليه سابقا.
بداية شركة سيراميك كيوب
بعد إحساسه مرة أخرى عند تواجده في الدنمارك بالإحساس الذي فقده بعد عودته من بريطانيا، قرر القحطاني أن يقوم بشيء يعطيه نفس الإحساس الذي عاشه ويعوضه عن أصدقائه الذي كانوا بمثابة أسرته في بريطانيا، ويبحث عن أشخاص محبين للخزف ليصبحوا له أسرة ثانية، تحل محل أصدقائه في الجامعة، لذلك شارك في برنامج "سما نماء" وهو برنامج لتطوير رياديي الأعمال الاجتماعيين ليقوموا بمشاريع أعمال اجتماعية يكون فيها مردود للمجتمع. ويوضح القحطاني "لدينا حرفة سيأتي شخص ويتعلمها وإذا كان لديه رأس مال يمكن أن يستثمر ويصبح له مردود مالي. وإذا كان للشخص ضائقة، مثلما كنت أنا متضايقا ومهموما، يستطيع أن يأتي ويفرغ طاقته السلبية. وفي نفس الوقت تساعدنا على التمسك بشيء كان جزءا من تراثنا سابقا."
حصل حميد في برنامج "سما نما" على المرتبة الأولى ولكنه لم يحصل على التمويل نظرا لأنه اختار أن يقدم نموذج المشروع عن التوعية بالصحة النفسية بدل السيراميك، وحصلت بعض المشاكل لذلك لم يستطع الحصول على التمويل وأصيب بخيبة أمل، لكنه وعلى الرغم من ذلك، قرر الاستفادة من الأشياء التي تعلمها في البرنامج من أجل هيكلة خطة عمل خاصة بمشروعه، وطلب من صديقه أن يصمم له شعارا. وبالفعل تم تصميم الشعار وإصدار السجل التجاري.
تغلب حميد القحطاني على التحديات التي واجهها
الطريق نحو إنشاء شركة سيراميك كيوب لم يكن سهلا، إذ يقول حميد إنه واجه مشكلة مع وزارة التجارة عند تقديم طلبه بخصوص المشروع وذلك بسبب الاسم الذي اختاره، فالسيراميك أصبح يرمز عادة حسب حميد إلى البلاط الموجود في المطابخ والحمامات وغيرها، والذي يكون عبارة عن قطع يتم تركيبها بلون مطفي مثل البني وتكون فوقه لمعة. هذه اللمعة هي التزجيج بينما الطبقة الموجودة تحت هي الفخار. وبينما يعني السيراميك الفخار الذي تطبق ألوان التزجيج عليه ويدخل للفرن مرة أخرى، أصبح يطلق على البلاط فقط. وهو الأمر الذي وضع حميد في أزمة مع وزارة التجارة فيما يخص وضع اسم شركته تحت خانة تجارة الفخار في السجل التجاري، وهذا ما جعل حميد يحاول مرارا وتكرارا إلى أن تم قبول ملفه.
أثرت المشاكل الإدارية والمادية على حميد في بداية إطلاق مشروعه إلا أنه لم يستسلم وتجاوز كل العقبات إلى أن وصلت الشركة إلى ما هي عليه الآن، بحيث توسعت الشركة إلى أستوديو بضعف مساحة الأول، وأنجز حميد تصميمه الداخلي بنفسه. وحاليا يقوم حميد باستقبال الطلبيات والمشاركة في الفعاليات مثل "تربة ماركت" ويقوم بتنظيم ورشات لتعليم صناعة الفخار.


مراحل تشكل الطين في الطبيعة
يتشكل الطين في الطبيعة عبر عدة مراحل، إذ تبدأ المرحلة الأولى من الأمطار الصافية التي تصب في الجبال والأودية والتي تبدأ في الترسب في مناطق معينة ولا تكون ملوثة بشوائب كثيرة. عندما تنزل هذه الأمطار مع الجبال تمر عبر الصخور المليئة بالمعادن وبالتالي ينتج أول أنواع الطين وأجودها وأصفاها والذي يطلق عليه اسم الأطيان الأولية أو البورسلان.

أما النوع الثاني من الطين فهو عبارة عن ترسبات البورسلان التي تسقط عليها الأمطار وتزيل بعض الأجزاء منه ويختلط مع ترسبات أخرى في طريقه نحو أسفل الوادي. يأخذ معه في هذه المرحلة تركيبة معادن مختلفة ثم يترسب في ضفاف الأنهار والبحيرات، ويسمى هذا النوع من الطين بالطين الحجري ويكون أقل جودة من البورسلان.
أما النوع الثالث من الطين، فيكون هو الآخر أقل جودة من البورسلان والطين الحجري، بحيث يختلط بمواد أخرى ويقل تركيز المواد التي كانت فيه منذ البداية أثناء اتجاهه نحو السهول ويسمى بالطين الترابي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كلما قلت جودة الطين كلما قل تحمله لدرجة الحرارة المرتفعة، وهو نفس الشيء بالنسبة إلى الصلابة.

الفرق بين الطين على شكل بودرة والطين العادي
يشرح القحطاني خصائص الطين العادي قائلا "تقوم شركات التنقيب بالتنقيب عن الطين وإجراء عدة تغييرات عليه من حيث نسبة تحمله للحرارة واللون، ثم يخلطونه مع الماء ويعجنونه ويعطونه اسما ثم يضعونه في كيس ويبيعونه كمنتج." أما عن خصائص الطين على شكل بودرة فيقول "إن بعض الشركات توفر نفس الطين ولكن على شكل بودرة، وتقوم أنت بخلطه مع الماء. ويوجه هذا النوع من الطين إلى المصانع وليس إلى الخزافين لأنه لا بد من وجود معدات وآلات لخلطه بالماء وتجفيفه وتكريره إلى أن يصل إلى التجانس المطلوب."
مراحل تشكيل الخزف يدويا
يستعمل حميد القحطاني في منتجاته الطين الحجري، وتمر عملية صنع الأواني الفخارية بعدة مراحل تبدأ عن طريق قص كمية الطين التي سيحتاجها بواسطة سلك حديد، ثم يقوم بعجنه للتأكد من عدم وجود فقاعات هواء في الطين وضمان أن الطين صار بنفس الليونة والصلابة خاصة وأنه عند التخزين يكون جزء من الطين لينا أكثر من الجزء الآخر.
بعد عجن الطين، يبدأ القحطاني بالاشتغال عليه في دولاب الفخار عن طريق جعله متمركزا في قاعدة الدولاب من خلال عجنه بطريقة يرتفع فيها وينزل ثم يرتفع وينزل. وبعدها تبدأ عملية التشكيل أو الأسطوانة والتي يضغط فيها على منتصف القطعة ويترك مسافة بسيطة في الأسفل لتكون سمك القاعدة، ثم يسحب الجدار على حسب القطر الذي يحتاجه. والخطوة الأخيرة هي عملية سحب الطين.





تأتي بعد ذلك مرحلة التشكيل أو إضافة لمسات إضافية من الخارج، والتي تسمى بمرحلة التشذيب والتي يترك فيها قطعة الطين لتجف إلى أن تصل إلى مرحلة يطلق عليها جفاف الجلد، بحيث تكون جافة ولكن فيها بعض الليونة، ويتم في هذه المرحلة إضافة أشكال أو أنماط معينة.

والآن تأتي المرحلة التي ينتظر فيها جفاف القطعة بشكل تام إلى أن تصل إلى مرحلة يطلق عليها جفاف العظم، ويدخلها إلى الفرن لتحرق لأول مرة والتي تسمى حرقة البسكوت. بعد خروج الطين من الفرن لأول مرة تكون النتيجة عبارة عن طين محروق بدون أي شيء وهو ما يسمى بالخزف أو الفخار. وهنا يتم تنظيفه عبر عملية تسمى السنفرة، ثم يطبق عليه ألوان التزجيج السائلة التي تكون من طبقتين أو ثلاث، ويتركه يجف لمدة يوم أو يومين ثم يدخله إلى الفرن مرة أخرى على درجة حرارة أعلى من التي قبل.
خلال عملية الصهر يقول القحطاني "عندما تجف المواد تصبح عبارة عن بودرة، وبعدما تحترق في الفرن تذوب في مكانها وتنصهر مع قطعة الفخار وتدخل في المسام. وعندما تزداد درجة الحرارة، تنكمش المسام في قطعة الفخار وتنغلق وفي نفس الوقت يمسك الفخار جزيئات اللون، ويصبح لديك المنتج النهائي المتمثل في السيراميك."
وفيما يخص صناعة الخزف، يشير القحطاني إلى أنه عندما تفشل قطعة الفخار أو تنكسر أو يمل الشخص منها يمكن أن يتم تكسيرها وطحنها لتصير مثل الرمل أو مثل حبيبات صغيرة وخلطها بالطين مرة ثانية.
المخاطر الصحية لصناعة الخزف
يشير حميد القحطاني إلى كون أنه لا بد من غسل اليدين أو تركهما رطبتين ومبللتين بالماء بعد الاشتغال بالطين أو أثناء الاشتغال به وذلك لأنه يجف ويمكن أن يؤثر على اليدين ويسحب الرطوبة منهما. كما يؤكد على ضرورة تهوية مكان الاشتغال وتنظيفه باستمرار وذلك نظرا لأن غبار الطين فيه جزيئات السيليكا، واستنشاق هذه الجزيئات بكميات كبيرة لسنوات يمكن أن يتسبب في الإصابة بمرض السيليكوسيس وأمراض أخرى تتعلق بالمجرى الهوائي والرئة.
في نهاية اليوم، تنهي جود القطع التي كانت تصنعها منذ المساء والتي هي عبارة عن عدة قلوب وكأس من الطين زينته بألوان التزجيج، وتتجه نحو أبيها وكلها حماس لتريه ما صنعت ليقوم هو الأخر بتشجيعها على ما صنعت. كما تريني هذه القطع والسعادة تغمر عينيها لأقوم بالتقاط صور لها.





