
البشوت في قطر، بين الماضي والحاضر
في الأروقة المتشعبة والأزقة الضيقة لمركز الحرف في سوق واقف، يقع محل اليوسف الخاص ببيع البشوت، وعند المرور بجانب المحل، تتراءى لك مختلف أنواع البشوت المعروضة فيه بألوانها المتنوعة وبخصائصها المميزة.
يقابل مدخل المحل مكان جلوس الحرفي علي هاشم اليوسف الذي يجلس في وضعية قرفصاء متكئا على العمود الموجود وسط المحل، ويضع أمامه البرداخ وهو الأداة التي يوضع عليها البشت لوضع اللمسات الأخيرة عليه.

الحرفي علي هاشم اليوسف
تمتلئ جدران المحل بالبشوت المعلقة والمعروضة للبيع وهو نفس الأمر بالنسبة لرفوف الخزانة الموضوعة في الجانب الأيسر من المحل، والتي تمتلئ رفوفها بالبشوت الجاهزة للبيع والتي تختلف حسب نوعها وقماشها. أما على الجانب الأيمن من المحل فيوجد فيه مكان لجلوس الزوار وآلة للخياطة يمتلئ كرسيها بمختلف الخيوط الملونة وقطع القماش والقصب المستعمل في البشوت. ومن الأشياء التي تلفت الانتباه عند دخول المحل هما الرسمتان المعلقتان على الحائط واللتان رُسمتا عن طريق الحرق على الجلد، بحيث تعود الرسمة التي على اليمين إلى الحرفي وخياط البشوت هاشم اليوسف، بينما تعود الرسمة التي على اليسار لابنه الحرفي علي هاشم اليوسف.


اشتغل هاشم اليوسف في مهنة صناعة البشوت لمدة طويلة وشكل وجود ابنه معه منذ صغره سببا في اهتمامه بالبشوت ومعرفته الكبيرة بها "كنت مع الوالد منذ صغري، وكان له 70 سنة في هذا السوق، بحيث كان أول شخص أحضر البشوت إلى قطر ثم جاء بعده الناس الآخرون." ينحدر علي هاشم اليوسف من أسرة مصنعة للبشوت، فليس والده هو الوحيد الذي اشتغل في هذه المهنة، بل جده وأعمامه أيضا. كما تعود أصولهم إلى منطقة الأحساء في شرق المملكة العربية السعودية، وهي المنطقة التي تطور فيها البشت بشكل أساسي إلى ما هو عليه الآن.
كان الحرفي علي الهاشم يأتي في أوقات فراغه لمساعدة والده، لكن بعد تقاعده من منصب مهندس زراعي في وزارة البلدية ووفاة والده، أخذ زمام أمور المحل وأصبح هو المسؤول عنه "لدي ثمانية إخوان ولكن لا أحد لديه الوقت ليتفرغ لأمر المحل نظرا لعملهم، وبما أنني أكثر شخص أعرف عن حرفة البشوت، توليت أمر المحل." يقوم علي الهاشم بالإشراف على إنتاج البشوت، كما يقوم بإضفاء اللمسات الأخيرة عليها بعد اكتمال تصنيعها عن طريق تكاثف جهود عدد من الحرفيين.

أصل كلمة بشت
يقول الحرفي علي هاشم اليوسف إن "كلمة البشت كلمة فارسية وليست عربية، وتعني الرداء الذي يلبس خلف الظهر. فقد كان الأكاسرة وملوك فارس يلبسون هذا الرداء وراءهم، وطوره العرب بعد الفتوحات الإسلامية وأضافوا عليه القصب أو الزري، وكان أكثر الناس الذين طوروا هذا اللباس هم الأحساء، إذ يتميز البشت الحساوي عن كل البشوت سواء من ناحية القصب، النقشة، الخامة، أو القماش."
أنواع البشوت، ألوانها، وأقمشتها
يبيع علي هاشم اليوسف البشوت بمختلف أنواعها سواء الرجالية أو النسائية أو الخاصة بالأطفال، ولكن تبقى البشوت الرجالية أغلبها. ويشرح لنا اليوسف الاختلاف بين البشوت الرجالية والنسائية "البشت النسائي نسميه العباءة النسائية، وهي عبارة عن حرير سويسري يكون القصب فيه مشابها للقصب الموجود على البشت الرجالي ويبقى الفرق الوحيد هو أنه تكون فيه لمسة أنثوية أكثر." ويضيف بأنه في القديم، كانت كل البشوت النسائية باللون الأسود، لكن مع التطور الذي تشهده قطر، أصبحت تستعمل أقمشة ملونة في هذه البشوت.
أما بالنسبة للبشوت الرجالية، فهي تنقسم إلى ثلاثة أنواع: شتوية، ربيعية، وصيفية. إذ يلبس البشت الشتوي في فضل الشتاء وينقسم بدوره إلى نوعين وهما البشت الشتوي الثقيل والخفيف. ويقول الحرفي علي هاشم إنه "يتم صنع البشت الشتوي إما من الصوف الذي يتم أخذه من شعر الخراف، أو من الوبر المأخوذ من شعر الجمال." وتختلف ألوان البشت الشتوي من الألوان الغامقة مثل الأسود، العودي، والرمادي، إلى الألوان الفاتحة مثل الأبيض، البيج، والسكري. وفي العادة، يلبس الرجال في دول الخليج الألوان الفاتحة في الصباح بينما يلبسون الألوان الغامقة في الليل.
وبالنسبة للبشت الربيعي، فهو يلبس حسب علي هاشم من نهاية شهر فبراير إلى نهاية شهر أبريل ويكون مصنوعا من الصوف الخفيف. أما البشت الصيفي، فهو "البشت الغالب لأنه نحن في الخليج، تكون فترة الصيف أكثر من فصل الشتاء، يعني تقريبا سبعة أشهر، من شهر ماي إلى شهر نوفمبر."

أنواع القصب أو الزري
يزين القصب الذهبي أو الزري كل أنواع البشوت، وينقسم هذا القصب إلى ثلاثة أنواع وهي القصب الألماني، الفرنسي، والهندي. ويوضح علي هاشم أن الألماني هو أغلاهم وذلك نظرا لأنه "عبارة عن خيط حرير وعليه طبقة من الفضة، وعلى الفضة ذهب عيار 24." ويأتي بعده القصب الفرنسي الذي هو عبارة عن "خيط حرير أيضا وطبقة فضة ثم ذهب، لكن الذهب يكون عيار 18، فيصبح أرخص من القصب الألماني." ويعد القصب الهندي أرخص من الألماني والفرنسي لأنه "ليس عليه لون، لا ذهب ولا فضة، ولكنه عبارة عن لون فقط."
نقشات البشوت
أشار الحرفي علي هاشم اليوسف إلى أن نقشة القصب تختلف من بشت إلى آخر، وأضاف "توجد نقشات عرضها إنش ونصف، إنشان، ثلاثة إنشات، وقد تصل إلى أربعة إنشات. وكلما زاد عرض القصب كلما زاد سعر البشت." يختلف عرض القصب في البشوت من بلد إلى آخر، ففي قطر، يكون العرض إنشا ونصف أو إنشا وربع في الغالب، وهو الأمر نفسه بالنسبة إلى الكويت. بينما نجد أن عرض القصب في البشوت السعودية يتراوح ما بين إنشين وثلاثة إنشات، وفي الإمارات يصلون إلى أربعة إنشات، وتشبهها عمان في ذلك.

ويشير اليوسف إلى أنه توجد خمس نقشات تستعمل في البشوت وتتمثل في بروج، الهيلة، المكسر، السماط، والقيطان. ويختص كل حرفي في نقشة معينة، بحيث "من النادر أن تجد شخصا يتقن كل هذه النقوش ويقوم بتطريزها لوحده."

البشوت المصنوعة يدويا في مواجهة البشوت المصنوعة بالآلات
كانت في الماضي وما زالت البشوت تصنع بواسطة حرفيين متمرسين، لكن ظهور الآلات ساهم في تقليل سعر البشوت وتوفير عدد كبير منها في السوق في وقت وجيز عكس صناعتها يدويا التي تأخذ وقتا طويلا.
فبالنسبة إلى البشوت اليدوية، يذكر الحرفي علي هاشم اليوسف البشت النجفي الذي هو عبارة عن بشت يُغزل قماشه وقصبه يدويا، ويرتفع سعره إذا تم غزل القماش بشكل احترافي، وذلك عكس أسعار البشوت المصنوعة بالآلات التي يكون سعرها أرخص بشكل ملحوظ.
ويركز الحرفي اليوسف على إبراز الفرق بين عملية الصنع اليدوية والآلية للبشوت، "فالبشت اليدوي يأخذ من خمسة أيام إلى أسبوع ليكون جاهزا، وغالبا ما يشتغل عليه خمسة أشخاص، أما إذا كان شخص واحد يشتغل عليه فيمكن أن يأخذ من 20 إلى 25 يوما ليصبح جاهزا."


أما فيما يخص البشوت المصنوعة بالآلات، يقول اليوسف "الآلة التي يصنع بها البشت تتكون من عدة رؤوس وكل رأس فيه 12 إبرة. يتم وصل الخيوط بالرأس، ثم وصل الآلة بالحاسوب الذي توجد فيه جميع أنواع النقشات، فتبدأ عملية نقش القماش بالنقشة التي يحددها صاحب المشغل بناء على طلب الزبون" ولسرعة الحاسوب في عملية النقش وتوفيره لعدد متنوع منها، أصبح السوق مليئا بالبشوت المصنوعة بواسطة الآلات والرخيصة في السعر. فالآلات حسب اليوسف تنتج 100 بشت في الساعة مقارنة مع الحرفيين الذين ينتجون بشتا في خمسة أيام، وكلما كبرت الآلة كلما زاد الإنتاج.
ويضيف اليوسف أن "نقشة البشت المصنوع آليا مرتبة أكثر من النقشة اليدوية وذلك نظرا لأن الحرفيين يمكن أن يرتكبوا في بعض الأحيان خطأ أو يمكن ألا تكون النقشة متناسقة بشكل كلي مثل نقشة الآلة." ورغم أن بشوت الآلات أقل جودة من البشوت اليدوية إلا أنها تتمايز فيما بينها، إذ توجد بشوت مصنوعة بالآلات ذات جودة جيدة جدا وأخرى متوسطة وأخرى أقل جودة.

وعلى العكس من بشوت الآلات التي تصنع بدون خطأ، فالبشوت المصنوعة يدويا تحتاج إلى تسوية عن طريق وضع البشت على البرداخ، وهو عبارة عن قطعة مصنوعة من خشب شجرة التوت، وضرب القصب والنقوش بالمطرقة من أجل التخلص من الخيوط غير المضبوطة أو البارزة أو الملوية.


أسعار البشوت
"يبلغ سعر سبعة أمتار من قماش البشت النجفي بدون خياطة حوالي 600 أو 700 دولار، وإذا لم يكن القماش مغزولا بشكل جيد يمكن أن ينخفض سعره إلى 150 أو 200 دولار لأنه لن يكون صافيا وسيكون مليئا بالعقد." وإذا اكتمل البشت النجفي المصنوع يدويا بشكل احترافي، يمكن أن يتراوح سعر بيعه ما بين سبعة أو ثمانية ألاف ريال للبشت الواحد، ويمكن أن يصل الثمن إلى عشرة آلاف ريال.
وبعيدا عن البشت النجفي، يقول علي هاشم اليوسف إن البشوت المصنوعة يدويا والتي يتم فيها استعمال القصب المغزول يدويا تتراوح أسعارها ما بين 1500 و3000 ريال.
ومن جهة أخرى، فأسعار البشوت المصنوعة عن طريق الآلات تكون رخيصة بالمقارنة مع البشوت المصنوعة يدويا. فالقماش يمكن أن يتراوح بين 45 و50 ريال، ويتم استعمال قصب ليس بألماني، أو فرنسي أو هندي، بل ياباني، وهو عبارة عن لون ليس عليه ذهب أو فضة. لهذا يصبح سعر البشت أقل، إذ يمكن أن يتراوح ما بين 400 إلى 800 ريال وذلك حسب جودة النقشة وثخانة القصب.
الأدوات المستعملة في صناعة البشوت
تتميز أدوات صناعة البشوت اليدوية بالبساطة، إذ تتمثل في المطرقة، الإبرة، البرداخ، والشمع الذي يتم استعماله لتشميع القصب ليسلك ويصبح سهلا وسلسا ولينا من أجل الخياطة. أما في البشت الصناعي، فبالإضافة إلى النقش الآلي، يتم الاعتماد على المكبس الحراري الذي يستعمل في البشوت المصنوعة بالآلات فقط نظرا لتحمل القصب فيها للحرارة المرتفعة.

مراحل صناعة البشوت اليدوية
يقول الحرفي اليوسف إنه قبل وضع القصب على البشت "لا بد من وضع هيكل للبشت، ومن ثم شراء القماش، وقصه، فخياطته. ولا بد من الانتباه إلى طول اليد الذي يعتبر أهم شيء في البشت، والذي يختلف باختلاف طول الزبون." ويعتبر الحرفي أن الحجر الأساس لتفصيل البشت هو أخذ مقاس اليد الذي يمكن أن يتراوح ما بين 24 إنشا إذا كان الزبون قصيرا إلى 34 إنشا إذا كان الشخص طويلا. تحديد مقاس اليد يؤثر على كمية القماش المستعملة في البشت وطول القصب وبالتالي يتغير السعر والمدة المستغرقة في صناعته.
تغير عادات لبس البشت مع مرور الزمن
لم يكن لبس البشوت مخصصا للمناسبات والأعياد فقط، بل كان الرجال في القديم يلبسونه في حياتهم اليومية، إذ يقول اليوسف "كان الوالد رحمه الله عنده محل في هذا السوق منذ 70 سنة، وعندما كنت صغيرا أتذكر أنه كان من العيب أن يدخل الرجل إلى السوق بدون بشت، كانت رجولة الرجل ناقصة بدون بشت لذلك كان الكل يلبس البشوت، والذي لا يلبس البشت يكون شخصا أجنبيا وليس قطريا، بل وليس خليجيا. لقد رأيت أناسا يتمشون بدون نعال حافيي القدمين لكنهم يلبسون البشوت."

ويضيف اليوسف أنه "حاليا لا يوجد من يلبس البشت في الخارج، يلبسونه فقط في الأعراس. بل والأكثر من ذلك، لا يلبس كل الناس البشت في الأعراس وإنما فقط العريس وأقاربه من أب، أخ، خال، وعم. وبقية الحضور يكتفون بالثوب فقط." ويستدرك اليوسف بأن عدم لبس البشوت أصبحت عادة عند المجتمع القطري فقط، فالبشت في السعودية حسب قوله "مقدس، بحيث يلبس الجميع البشوت في الأعراس لدرجة لا يمكن فيها التفريق بين العريس وباقي الحضور. كما يلبسون البشوت في المناسبات الأليمة أيضا مثل العزاء." وفي المقابل، توجد بلدان أخرى مثل عمان التي يقول اليوسف إن "ناس المدينة فيها لا يلبسون البشت وإنما يقتصر لبسه على البدو فقط."
ويشير اليوسف إلى التوجه نحو شراء البشوت المصنوعة بالآلات بدل تلك المصنوعة يدويا "بشت الكمبيوتر نافس فعلا البشت اليدوي، لكن كل إنسان له مقدرة، هناك أشخاص يريدون اقتناء البشت اليدوي، يقول لك بشت آبائي وأجدادي يدوي، المصنوع بالكمبيوتر حديث وجديد وهو حل مؤقت." ويضيف "هناك أشخاص يرتدون بشت عليه القيمة، إذ يمكن أن يكون بثلاثة أو أربعة آلاف ريال ويقول لك هذا بشت يبيض وجهي عندما أدخل عند الناس في المجالس، وعندما يرون أنني أرتدي بشت كشخة ومرتب يعرفون قيمة الإنسان."


