
منتجات السدو.. قطع منسوجة بخيوط التاريخ
منتجات تقليدية ألوانها ممزوجة بين الألوان الفاتحة والغامقة، تختلف تطريزاتها ونقوشها وأحجامها، وتضفي جمالية على الأسواق الشعبية والمعارض التقليدية والمجالس في قطر، إنها منتجات السدو المصنوعة بأياد قطرية توارثت حرفة صناعة السدو عبر الأجيال.
تجذب منسوجات السدو المعروضة في الأسواق أنظار الزوار والسياح وتبهرهم، وتثير فضولهم لمعرفة المزيد عن هذه المنتجات وصانعاتها. ونظرا لجمالية منتجات السدو مزركشة الألوان وبصمتها التقليدية، ما زال القطريون يزينون مجالسهم بها إلى حدود الآن ويتزايد الإقبال عليها في المناسبات الدينية والوطنية.
مراحل صناعة السدو
ترتكز صناعة السدو على صوف الغنم بالدرجة الأولى، وتحدثنا الباحثة في مجال التراث والمتخصصة في الحرف اليدوية التقليدية سلمى النعيمي عن مختلف المراحل التي يمر منها الصوف لكي يصبح منتجا صالحا للاستعمال. بحيث يتم جز صوف الغنم، وفي هذه العملية تفصل الحرفيات اللون الأبيض عن الأسود، ثم يقمن بتنظيفه من الشوائب وغسله جيدا ونشره بعد ذلك ليجف. وبعد جفافه كليا، تبدأ عملية الغزل التي تنقسم إلى عمليتين، إذ يتم في عملية الغزل الأولى تلوين الصوف ليتخلل اللون كل الشعيرات، أما في عملية الغزل الثانية، فيتم تشكيل ربطات يطلق عليها "وشايع"، وهي عبارة عن ربطات خفيفة من الصوف. بعد صباغة الصوف، تقوم الحرفية بغزله بشكل أقوى وأسمك، ثم تستعمل الخيوط الملونة لصناعة المنتجات اليومية مثل الخرج، المسند، الساحة، العوارض، الخطام، الزينة المستخدمة للجِمال، وبيت الشعر الذي يعد أكبر منتج من منتجات السدو.
استمرار حرفة السدو في أياد أمينة
استمرت الحرفيات في صناعة السدو مع مرور السنين، ولم تفقد هذه الحرفة بريقها على الرغم من كل التطور الذي تشهده قطر، فما زالت الحرفية هياء حمد تمارس هذه الحرفة منذ تعلمها لها قبل عشرين سنة، بحيث تعلمت صناعة السدو في البداية بنفسها، ثم تعلمت بعد ذلك من بقية أخواتها اللواتي يمارسن نفس الحرفة. تنتج هياء مختلف منتجات السدو في بيتها وتبيعها "أشتغل في بيتي، أصنع منتجات السدو مثل الحجوب، الخرجة، السفايف، الحبال، ويأتي الناس أو يتواصلون معي ليشتروها."
تختلف المدة التي تستغرقها كل حرفية في صناعة منتجات السدو، وتوضح ذلك الباحثة سلمى النعيمي قائلة "تأخذ القطعة أسبوعا إذا كان طولها في حدود المتر وعرضها نصف متر، لكن عندما نتكلم عن أكبر منتج في السدو الذي هو بيت الشعر، فهذا يعتمد على حسب حجمه، إذ تتكون بيوت الشعر من عمود إلى ستة أعمدة، وكلما كثرت الأعمدة كبر بيت الشعر، وبالتالي تطول مدة صناعته. فمثلا إذا كان البيت مكونا من عمود أو عمودين تستغرق مدة صناعته من سنة إلى سنة ونصف تقريبا."
لا تصنع هياء بيوت السدو التي تأخذ الكثير من الوقت، وتصنع القطع التي تأخذ منها مدة قصيرة، بحيث تقول "تأخذ العملية حسب وقت فراغ كل شخص، ممكن أن تأخذ أسبوعا أو نصف شهر أو شهرا كاملا، وكلما كان حجم القطعة كبيرا كلما تأخرت."
شاركت هياء بقطعة سدو في "جائزة كتارا للحرف والصناعات التقليدية" المنظمة من طرف المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا والتي أقيمت في شهر كانون الأول من السنة الفارطة، وحصدت المرتبة الأولى في فئة حرفة السدو "قالوا لي إنهم يريدون قطعة من السدو واشتغلت عليها لمدة ثمانية أيام وشاركت بها." وبالإضافة إلى المسابقات، تشارك هياء في مختلف المهرجانات والمعارض والفعاليات التي يتم تنظيمها من طرف وزارة الثقافة وكتارا.

الحرفية هياء حمد
أما الح رفية سارة العتيبي التي تشتغل في مجال السدو منذ أربعة وثلاثين سنة، فتشارك هي الأخرى في مختلف المعارض والفعاليات التي تنظمها قطر، إذ تقول "نشارك في كتارا، في الشحانية، في درب الساعي، وفي المدارس. وأي معرض يريد أن نحضر ونعرض يكلمنا ونذهب، ولكن بشرط الحصول على مكافآت. إذا لم تكن هناك مكافآت لا نذهب، لأنه لا يمكن ضمان البيع، يمكن أن تبيعي أو لا تبيعي."
بدأت الحرفية سارة بتعلم صناعة السدو منذ بلوغها سن التاسعة عشرة، بحيث تعلمت من والدتها التي كانت تنتج السدو، وهي الآن تعلم هذه الحرفة رفقة أخواتها للفتيات المهتمات والراغبات في التعلم. وخلال صناعتها لمختلف قطع السدو، تترك الحرفية سارة خيار اختيار الألوان إلى رغبة مشتري القطع، بحيث تتنوع منتجاتها بين تلك التي تدمج فيها لونين فقط، وأخرى تدمج فيها ثلاثة أو أربعة ألوان.
وتشير الباحثة سلمى النعيمي إلى أن الألوان المستخدمة في السابق ليست هي نفسها المستعملة حاليا، وتضيف "في السابق، اعتمدت المرأة على البيئة المحيطة بها لصباغة الصوف الأبيض، فقد كانت تستخدم الندوة، والتي هي عبارة عن مسامير صدئة، مع نواة التمر ويتم تخميرها لتعطي اللون البني المائل إلى الأحمر. وعندما يتم خلط الحصى الكريستالي الملون مع الماء ويذوب يعطي اللون البنفسجي، العنابي، والبرتقالي." كما استعانت المرأة القطرية بالأعشاب والبهارات أيضا من أجل تلوين الصوف، بحيث اعتمدت على الكركم للحصول على اللون الأصفر أو البرتقالي، والنيلة الموجودة في الطبيعة للحصول على اللون الأزرق. واستعملت عشبة الفوة التي هي عبارة عن عروق مجففة من الطبيعة والتي تعطي اللون الأحمر القاني.
وتجدر الإشارة إلى أن السدو القطري والخليجي يختلف عن منتجات السدو من باقي البلدان الأخرى مثل باكستان، إيران، وسوريا، إذ تقول الباحثة النعيمي إنه لا يتم استعمال زخرفة السيف والنخلة في السدو القطري، وتتميز منتجات قطر والخليج بالشريط المتواجد في وسط السدو والذي يطلق عليه اسم الشجرة.
تحديات حرفة السدو في قطر
على الرغم من استمرارية حرفة صناعة السدو في قطر إلى حدود اللحظة، إلا أنها تواجه عدة تحديات أهمها عدم وجود مراكز دائمة لتعليم هذه الحرفة أو لعرض منتجات الحرفيين. فعلى الرغم من تنظيم عدة فعاليات ومهرجانات ومسابقات بمشاركة حرفيات السدو، إلا أنهن يعانين من عدم وجود مراكز دائمة تحتضنهن وتعرض أعمالهن. فالحرفية هياء حمد مثلا مستعدة لتعليم السدو لكن تقول إنه لا يوجد مركز دائم تقوم فيه بعرض منتجاتها وتعليم السدو للآخرين، وتضيف أنه لا توجد في قطر دورات متخصصة في صناعة السدو كما هو الحال في باقي الدول مثل الإمارات.
وتؤيد الحرفية سارة العتيبي هي الأخرى مشكلة عدم وجود مركز لحرفيي السدو، وتقول إنه "ليس هناك مبادرات من طرف الدولة لبناء مبان خاصة بالحرفيات والحرفيين. في قطر لا يوجد، لكن في البلدان الأخرى مثل الإمارات، السعودية، والكويت توجد محلات لكل الحرفيين، أهل السدو، أهل الخشب... الكل لديهم محلات." وهو الأمر الذي يجعلها تعرض منتجاتها في المعارض فقط أو عبر صفحتها على إنستغرام، لذلك تتمنى أن تتغير وضعية حرفيي السدو في المستقبل لأنه سبق وأن تحدثوا مع المسؤولين لعدة مرات دون فائدة.
وتطرقت الباحثة سلمى النعيمي إلى كون أن المهرجانات والفعاليات والمعارض المنظمة تشجع على ممارسة حرفة السدو حتى لو كانت الحرفية كبيرة في السن، وذلك من خلال الدعم التي يتم تقديمه لهن، لكن هذا لا يعني أن الفعاليات تضمن استمرارية هذه الحرفة في المستقبل، لذلك لا بد من إنشاء مركز يتم فيه التدريب على هذه الحرف اليدوية وضمان استمرارها.



