
اكتشاف النفط في قطر.. نعمة أو نقمة بالنسبة للحرف التقليدية؟
كانت الحرف والصناعات التقليدية في القرن الماضي عماد الاقتصاد القطري، إذ كان القطريون يعتمدون بشكل كلي على هذه الحرف من أجل كسب قوت يومهم ومواجهة قساوة الحياة. كما كانت حياتهم اليومية لا تخلو من استعمال منتجات وأدوات مصنوعة يدويا، بحيث كانوا يطبخون في الأواني الفخارية والنحاسية المصنوعة من طرف الحدادين والخزافين، ويتناولون ويحفظون الأطعمة في الأواني الفخارية والمنتجات المصنوعة من سعف النخيل.

كما كانوا يلبسون ملابسا مصنوعة ومطرزة يدويا بواسطة حرفيين وحرفيات ماهرات، ويتزينون بحلي ومجوهرات يصنعها صاغة ذهب وفضة متمرسون. هذا بالإضافة إلى أنهم كانوا يزينون بيوت الشعر بمنتجات السدو المختلفة، ويعتمدون اعتمادا كليا على صيد اللؤلؤ وبيعه في الأسواق الكبرى في البلدان المجاورة مثل الهند.
بعد انهيار تجارة اللؤلؤ بسبب ظهور اللؤلؤ الياباني المستزرع، شهدت الحرف اليدوية المرتبطة بالبحر والغوص على اللؤلؤ مثل صناعة السفن والأشرعة، أدوات ومعدات الغوص، وصناعة القراقير وغيرها من الحرف تراجعا ملحوظا. وزاد اكتشاف النفط في المنطقة سنة 1939، وذلك بعد ظهور اللؤلؤ المستزرع بفترة وجيزة، تأثيرا على الحرف التقليدية بصفة عامة وليس تلك المرتبطة بالبحر والغوص فقط. فمع الشروع في استغلال النفط ظهرت العديد من مناصب الشغل، وبالتالي توقف العديد من الحرفيين عن ممارسة حرفهم وتوجهوا للعمل في المناصب الإدارية والحكومية. كما ساهم التطور الذي شهده المجتمع والاقتصاد في الاستغناء عن عدة حرف كانت مهمة بالنسبة للمجتمع القطري آنذاك.
اهتمام قطر بالحرف والصناعات التقليدية
على الرغم من التطور السريع الذي تشهده قطر في العقود القليلة الماضية، إلا أنها ما زالت تقوم بعدة محاولات للحفاظ على التراث والحرف التقليدية من الاندثار والتلاشي. إذ تقول الباحثة في مجال التراث بالمؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا أمل المعاضيد إن "قطر تهتم بالمشاركة في الكثير من الفعاليات والمهرجانات والمناسبات الوطنية والتراثية وكذلك المشاركات الخارجية." وتضيف إنه للحفاظ على استمرارية الحرف التقليدية، تقدم المؤسسات والوزارات المهتمة بالتراث الدعم المادي والمعنوي لممارسي للحرف اليدوية.
ويقول الباحث في التراث في إدارة التراث والهوية بوزارة الثقافة صالح غريب إنه مع ظهور اللؤلؤ الصناعي الذي أصبح بديلا للؤلؤ الطبيعي اندثرت بعض الحرف، ويضيف أنه منذ الستينيات ومنذ السبعينيات عندما بدأت الحرف بالاندثار، بذلت وزارة الثقافة أو الجهات الأخرى جهدا لتكون هناك فعاليات مستمرة. ويوضح غريب أن "اهتمام الدولة بالحرف والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية يتضح من خلال وجودها في الرؤية الوطنية 2030، بحيث وُضع ضمن الاستراتيجية الثقافية أن يكون المنتج من الحرف والصناعات التقليدية 2,5 بالمائة من الناتج القومي للدولة."
ويشير الباحث صالح غريب إلى أنه نظرا لأهمية الحرف منذ القدم في المجتمع القطري، خطت وزارة الثقافة والدولة بجميع جهاتها أن تكون الحرف موجودة سواء عن طريق وجود المعارض المتحفية أو من خلال وجود مراكز للبيع مثل سوق واقف وكتارا ومتحف قطر الوطني.
وقبل وجود سوق واقف، يقول الباحث غريب إنه تم إطلاق مشروع من طرف إدارة التراث والذي أطلق عليه اسم الأسرة المنتجة، بحيث كانوا يقومون بمشاركة حرفيات صنع البطاطيل والملافع وغيرها في المهرجانات وينظمون لهن المعارض، وبعدما جاء سوق واقف أعطوهن قسما فيه لعرض منتجاتهن.
ضمان استمرارية الحرف أمر لا بد منه لتفادي اندثارها
على الرغم من تنظيم الوزارة لمختلف الفعاليات والمهرجانات للتعريف بالحرف، إلا أن الباحثين في مجال التراث في قطر يواجهون مشاكل عميقة تتمثل أهمها في اندثار الحرف اليدوية، قلة توثيق التراث والحرف التقليدية القطرية، وعدم توفر مراكز دائمة لتعليم الحرف.
فقد اندثرت على مر السنين العديد من الحرف التقليدية في قطر، بحيث تقول الباحثة في مجال التراث والحرف اليدوية سلمى النعيمي إن "لدينا حرفة نسائية والتي هي حرفة الكورار التي اندثرت تماما ولم يعد لها ممارسون، دباغة الجلود اندثرت أيضا، وحرفة النقدة هي الأخرى تقريبا سوف تندثر طالما أنه يوجد عدد قليل من ممارسيها. تقريبا كل حرفنا إما اندثرت بنسبة 100 بالمائة أو اندثرت بنسبة 99 بالمائة دون أن تجد دعما من المسؤولين في الدولة للأسف."
تنظيم الفعاليات والمهرجانات لا يعني أنه غير مهم ولا يساهم في الحفاظ على الحرف، بل على العكس من ذلك، توجد العديد من الحرف التي مازالت مستمرة نظرا لأن يتم إيلاء الانتباه لها ودعوة حرفييها إلى الفعاليات والمعارض والمهرجانات من أجل عرض وبيع منتجاتهم، ومن بين هذه الحرف نجد حرفة السدو التي ما زالت مستمرة إلى حدود اللحظة.
بعيدا عن حرفة السدو، يوجد العديد من الحرفيين الذين يتم إحضارهم في المهرجانات والمعارض فقط وتنتهي مهمتهم بانتهاء المهرجان، إذ تقول الباحثة سلمى النعيمي "هذه هي مشكلتنا، الأشخاص الذين يأتون بهم في المهرجانات برمجوهم على أنهم يكونون فقط للعرض والترفيه. هؤلاء الأشخاص ممكن أن يكون عندنا منهم اثنين أو ثلاثة فقط في الدولة، ويأتون بهم في كل المهرجانات من أجل العرض. وهذه مشكلة كبيرة، فعندما يذهب هؤلاء من سيأتي بعدهم؟"
قامت سلمى النعيمي بالحديث مع مختلف الجهات الثقافية الموجودة في الدولة للاهتمام بهذا الموضوع لكنها تقول "ما زلنا نعاني في هذه الأمور مع المسؤولين، فإذا كان المسؤول غير مهتم بثقافته، من الصعب أن تشتغلي بنفسك، فأنت محتاجة إلى مركز، خامات، وأدوات، محتاجة إلى مركز معد إعدادا جيدا." وتشير النعيمي إلى أن الدولة تدعم التراث والثقافة ولكنها لا تعرف لماذا لا يتم الاشتغال على موضوع إحياء الحرف.
أهمية توثيق التراث والحرف التقليدية قبل اندثارها
يلعب توثيق التراث دورا مهما في إبراز تاريخ البلد وحضارته، فمهما بلغ تطور البلد يبقى للتراث أهمية خاصة. ويعتبر الباحث صالح غريب أنه من الضروري وجود أماكن تقليدية يمكن أن يذهب السياح إليها خاصة مع تنظيم قطر لأكبر حدث كروي والمتمثل في كأس العالم 2022. ويوضح "المشجع عندما يأتي من أوروبا أو أمريكا أو أي دولة عربية، لا يذهب إلى المجمعات التجارية، بل من الطبيعي أن يذهب إلى الأماكن التقليدية، لذلك وجود سوق واقف وكتارا ومتحف قطر الوطني وأكشاك الحرف اليدوية أمر مهم جدا." وهو الأمر الذي يتفق معه الباحث في التراث الشعبي الغنائي القطري محمد الصايغ.
يقوم عدد قليل من الباحثين في التراث والمهتمين به بتوثيقه في قطر، بحيث يوجد عدد قليل من الكتب عن التراث وعن مختلف الحرف اليدوية سواء التي اندثرت أو التي ما زالت تمارس إلى حدود اللحظة.

قام الباحث في التراث الشعبي الغنائي القطري محمد الصايغ مؤخرا بإصدار كتاب يقوم بتوثيق فن من فنون البحر والمتمثل في فن الفجري. ويعتبر هذا الكتاب أول كتاب يوثق فنون البحر في قطر، بحيث وثق فيه الصايغ حوالي 52 تنزيلة والعديد من الأهازيج والمواويل التي غناها النهام. ويقول الصايغ "كنت سعيدا أنني أول من وثق أصعب فن من فنون البحر، وسأوثق الفنون الأخرى مثل الفنون الخاصة بالأعمال النسائية كدق الحب وطحان الرحى."
ويتحدث محمد الصايغ عن مشكل عدم وجود مركز مخصص للحرف التقليدية "كنا نتمنى أن يكون هناك مركز للاهتمام بالحرف القديمة، بحيث يكون هناك مركز مخصص للنساء وآخر مخصص للرجال، وأن يكون هناك دعم للمدارس، بمعنى أن تدخل الحرف في نشاطات المدرسة لأنه يمكن لهذا النشاط أن ينفع من بعد، وسيصبح للأطفال عندما يكبرون خلفية عن هذه الأمور."
ويشكل موت الحرفيين الكبار في السن سببا آخر لضرورة النهوض من أجل توثيق التراث والحرف التقليدية، خاصة وأن العديد من الحرف قد اندثرت دون أن يتم توثيقها أو تم نسبها إلى بلدان أخرى كما يقول الباحث الصايغ.
وقد قام عدد قليل من القطريين بتوثيق بعض الحرف اليدوية لكن ما زالت جل هذه الحرف غير موثقة، إذ يقول الباحث في إدارة التراث والثقافة في وزارة الثقافة محمد حسين الصايغ أن العديد من الحرف مثل كيفية خرق اللؤلؤ وأنواعه، الحدادة، صناعة الأشرعة وغيرها لم تحظى بنصيبها من التوثيق.
تأثير إغلاق مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية
نظرا لأهمية التوثيق قامت دول الخليج بإنشاء مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية في ثمانينيات القرن الماضي، والذي ضم العديد من الباحثين من بينهم الباحث صالح غريب الذي كان يقوم بالبحث في الحرف وتوثيقها ودراستها، وكان هناك باحثون آخرون مختصون في العادات والتقاليد، الأدب الشعبي، الموسيقى، وغيرها من العناصر المكونة للتراث.
بعد إغلاق المركز تفرق الباحثون وهو ما ساهم في صعوبة إيجاد باحثين وموثقين ودارسين للتراث، إذ يقول الباحث غريب إنه "بعد إغلاق مركز التراث الشعبي تفرقنا، وتحول عدة باحثين إلى وزارة الثقافة، وهناك من ذهبوا إلى كتارا أو إلى إدارات أخرى، فتشتتنا."
مشاكل توثيق الحرف والصناعات اليدوية
يشير الباحث غريب إلى أنه أثناء اشتغاله في الحرف والصناعات الشعبية في مركز التراث الشعبي، كان يواجه مشاكل من بينها نظرة الناس إلى الحرفي، ويوضح "عندما أذهب إلى أي دولة من دول الخليج لإجراء مقابلة مع حداد مثلا أو مع حرفي يمارس حرفة تتطلب جهدا كبيرا وتكون ثياب الحرفي فيها متسخة، يرفض الحرفي تسجيل الحوار ويعتذر، وعندما أذيب الجليد بيني وبينه، كان يقول لي أن أبناءه لا يرضون أن يتحدث عن حرفته، فهم ينظرون إليه بأنه عمل دوني." ويضيف غريب أنه في بعض الأحيان يمنع الابن والده من ممارسة الحرفة بحجة أنه يمكن أن يصرف عليه ويوفر له كل ما يحتاجه، لكن غريب يؤكد على أن الحرفي يقوم بالعمل حبا فيه وأنه يمكن أن يمرض نفسيا إذا جلس في المنزل ولم يمارس حرفته.
كما يشير الباحث غريب إلى مشكل خجل بعض الباحثين قائلا "في إدارة التراث، يوجد عدد من الباحثين لكن ما زال لديهم الخجل الاجتماعي في مواجهة الكاميرا، مواجهة الحشد والتحدث عن جمعه لمادة معينة، لذلك ندفعهم من أجل أن يواجهوا الكاميرا والراوي في جمع مادة حتى يتدربوا أكثر وأكثر."
في الأخير، يمكن القول إن قطر ورغم اهتمامها بالحرف والتراث إلا أن الباحثين والحرفيين ما زالوا يواجهون عدة مشاكل أهمها عدم توفر مركز دائم لتدريب الحرف وعرضها والذي يمكن أن يحول دون اندثار بقية الحرف التي على حافة التلاشي، وعدم توثيق الحرف التقليدية المندثرة منها وغير المندثرة.